أبو البركات بن الأنباري

52

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين

فوجب إبرازه ؛ لأنه به يحصل إفهام السامع ورفع الالتباس ؛ ويخرج [ 33 ] على هذا إذا جرى على من هو له ؛ فإنه إنما لم يلزمه إبراز الضمير لأنه لا التباس فيه ، ألا ترى أنك لو قلت « زيد ضارب غلامه » لم يسبق إلى فهم السامع إلا أن الفعل لزيد ؛ إذ كان واقعا بعده فلا شيء أولى به منه ، فبان بما ذكرنا صحة ما صرنا إليه . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما البيت الأول وهو قوله : * لمحقوقة أن تستجيبي دعاءه * [ 20 ] فلا حجّة لهم فيه ؛ لأنه محمول عندنا على الاتّساع والحذف ، والتقدير فيه : لمحقوقة بك أن تستجيبي دعاءه « 1 » ، وإذا جاز أن يحمل البيت على وجه سائغ في العربية فقد سقط الاحتجاج به . وأما البيت الثاني ، وهو قول الآخر : * ترى أرباقهم متقلّديها * [ 21 ] فلا حجّة لهم فيه أيضا ؛ لأن التقدير فيه ترى أصحاب أرباقهم ، إلا أنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، كما قال تعالى : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] أي : أهل القرية ، وقال تعالى : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [ البقرة : 93 ] ومنه قولهم « الليلة الهلال » أي : طلوع الهلال ؛ لأن ظروف الزمان لا تكون أخبارا عن الجثث . قال الشاعر : [ 22 ] وشرّ المنايا ميّت وسط أهله * كهلك الفتى قد أسلم الحيّ حاضره

--> ( 1 ) يريد أن قول الشاعر « لمحقوقة » ليس خبر « إن » على ما ذكر الكوفيون حتى يكون جاريا على غير من هو له وليس معه ضمير بارز ، وإنما هو مبتدأ ، وقوله « أن تستجيبي » يحتمل وجهين : الأول أن يكون خبر ذلك المبتدأ ، فتكون هذه الجملة في محل رفع خبر إن ، وكأن الشاعر قد قال : لجدير بك استجابة دعائه ، فليس في « لمحقوقة » ضمير عائد على غير من جرى عليه ، والوجه الثاني : أن يكون قوله « أن تستجيبي » في تأويل مصدر مرفوع يقع نائب فاعل لمحقوقة أغنى عن خبره ، ويكون « لمحقوقة » خبر إن ، لكنه غير متحمل للضمير أصلا ، لا بارزا ولا مستترا ، لأنه قد رفع اسما ظاهرا ، غير أن هذا الاسم الظاهر ليس صريحا ، بل هو اسم مؤول من الحرف المصدري والفعل .